--------------------------------------

--------------------------------------

الذهب في احتياطات البنوك المركزية: تحول استراتيجي بعيدًا عن هيمنة الدولار

الذهب في احتياطات البنوك المركزية يشهد  عودة لافتة إلى صدارة الاهتمام  في ظل ما يشهده النظام النقدي العالمي من تحولات تدريجية وتراجع تدريجي في هيمنة الدولار الأمريكي كعملة احتياطية أولى. ووفقًا لما أورده المحلل الاقتصادي وولف ريختر، فإن الذهب وعددًا من العملات الاحتياطية الأخرى – باستثناء اليورو والرنمينبي – باتوا يزاحمون الدولار في مكانته التاريخية كأصل احتياطي مهيمن، وسط مساعٍ من البنوك المركزية لإعادة توزيع محافظها الاحتياطية وتنويعها بعيدًا عن التقلبات المرتبطة بالدولار والعملات التقليدية.

الذهب في احتياطات البنوك المركزية

رغم أن الذهب لا يُدرج ضمن احتياطات النقد الأجنبي المباشرة، نظرًا لكونه لا يُستخدم في المعاملات النقدية أو في أسواق الصرف الأجنبي، فإنه يُصنّف كأصل احتياطي استراتيجي له طابع خاص، ولا يُدرج ضمن البيانات الخاصة بتوزيع الاحتياطيات كما تصدرها المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي. ومع ذلك، فإن التوجه المتزايد نحو الذهب يعكس تحولًا جوهريًا في سلوك البنوك المركزية، التي عادت منذ حوالي 20 عامًا إلى سياسة تراكم الذهب بعد أربعة عقود من تقليص حيازاتها.

 ثبات استراتيجي في احتياطات الذهب لدى القوى الغربية الكبرى

حسب بيانات الذهب في احتياطات البنوك المركزية فأن أكبر أربع دول من حيث احتياطي الذهب، وهي الولايات المتحدة (8133 طنًا)، وألمانيا (3352 طنًا)، وإيطاليا (2452 طنًا)، وفرنسا (2437 طنًا)، لم تقم بتغيير كبير في حجم احتياطاتها منذ أكثر من عقدين، محافظين على ثبات استراتيجي في هذه الحيازات. غير أن التحول الملحوظ جاء من دول مثل روسيا والصين، اللتين ارتفعت احتياطاتهما بشكل كبير، لتحتلا المرتبتين الخامسة والسادسة عالميًا على التوالي.

 أضافت روسيا قرابة 2000 طن من الذهب إلى احتياطاتها خلال الفترة ما بين 2005 و2022، ليبلغ إجمالي ما تحتفظ به من ذهب نحو 2333 طنًا، وهو مستوى ظل مستقرًا منذ الربع الثاني من عام 2022. أما الصين، فقد بدأت في تعزيز احتياطاتها منذ عام 2009، وتمكنت بحلول عام 2015 من مضاعفة هذه الاحتياطات ثلاث مرات. وفي عام 2024، رفعت الصين احتياطياتها بواقع 44 طنًا إضافيًا، ليبلغ إجمالي ما تملكه من ذهب نحو 2280 طنًا.

وبالنظر إلى بيانات صندوق النقد الدولي (غير المحدثة لعام 2024)، فقد ارتفعت احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية عالميًا بنحو 200 مليون أوقية تروي (ما يعادل 6221 طنًا) منذ عام 2006، لتصل إلى 1.16 مليار أوقية تروي. ويُلاحظ أن روسيا والصين وحدهما شكّلتا حوالي 60% من هذه الزيادة، في دلالة على الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للذهب في ظل تقلبات النظام المالي العالمي. كما سلكت دول أخرى مثل بولندا والهند وقرغيزستان وأوزبكستان المسار ذاته، حيث رفعت احتياطاتها من الذهب بشكل واضح خلال العام الماضي.

الذهب في احتياطات البنوك المركزية ملاذ امن ضد تقلبات الدولار والتوترات الجيوسياسية

ويُشير هذا التوجه المتزايد إلى أن البنوك المركزية لم تعد تنظر إلى الذهب باعتباره مجرد أصل تقليدي، بل كأداة لتحصين استقرارها المالي أمام التحديات المتنامية، سواء تلك المرتبطة بالتقلبات الجيوسياسية، أو بتآكل الثقة في بعض العملات الرئيسة، وعلى رأسها الدولار الأمريكي. وفي هذا السياق، يعكس الذهب حالة من البحث عن الملاذ الآمن طويل الأجل، وإعادة التوازن في المحافظ الاحتياطية، في ظل بيئة دولية أكثر اضطرابًا. 

كان سعر الذهب قد سجل قمم قياسية جديدة خلال نهاية مارس الماضي، قبل التراجع بشكل طفيف في أول أيام شهر أبريل بعد تقارير صادرة عن تحول ملحوظ في نمط تسوية صفقات الذهب من قبل عدد من صناديق الاستثمار وصناديق التحوط، حيث لجأت هذه الجهات إلى إتمام صفقاتها بطريقة نقدية بدلًا من التسوية الفعلية التي تتضمن استلام الذهب الفيزيائي. هذا التغيير في السلوك الاستثماري يُعد مؤشرًا على تراجع الضغط الفعلي على المعروض، مما يُخفف من حدة التوتر في سوق الذهب ويفتح المجال أمام استقرار أكبر وربما اتجاه صعودي للأسعار خلال الفترة المقبلة.

ويُذكر أن أسعار الذهب كانت قد تلقت دعمًا ملحوظًا منذ بداية عام 2025 نتيجة طلب مرتفع من المؤسسات المالية والشركات التي فضّلت استلام المعدن بشكل فعلي، وهو ما تسبب في ضغوط على السوق نتيجة محدودية الإمدادات. أما الآن، فإن التحول إلى التسوية النقدية قد يُعيد التوازن إلى السوق،وهو ما قد يفتح المجال أمام البنوك المركزية لتعزيز مشترايتها من الذهب.

Telegram

التعليقات مغلقة.