إصلاح اقتصاد الدول العربية أصبح فكرة أكثر توسع في وقت تبشر فيه دول الخليج العربي برؤية 2030 في المملكة العربية السعودية و2050 في سلطنة عُمان وغيرها. وذلك بفتح الطريق نحو تنوع اقتصادي أكبر بعد الاعتماد شبه الكلي على النفط كمصدر للدخل.
قبل أكثر من قرن، شقّ الجيولوجي البريطاني جورج برنارد رينولدز طريقه وسط الأمراض والفوضى في بلاد فارس، بحثًا عن النفط في مغامرة بدت يائسة لسنوات طويلة. ورغم ضغوط الممولين لوقف المشروع، واصل رينولدز الحفر حتى جاء صباح 26 مايو 1908 ليشهد أول اكتشاف نفطي كبير في الشرق الأوسط، اكتشاف غيّر ملامح المنطقة الاقتصادية والسياسية لعقود، ورسّخ مكانتها كمركز للطاقة العالمية.
اليوم، وبينما تتجه الاقتصادات الكبرى نحو مصادر الطاقة النظيفة، يجد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نفسه أمام نقطة تحوّل أخرى لا تقل عمقًا عن لحظة اكتشاف النفط الأولى. ومع أن الطلب العالمي لم يصل بعد إلى ذروته، إلا أن السنوات الأخيرة، إضافة إلى صدمات مثل جائحة كوفيد-19، منحت دول المنطقة لمحة واضحة عن مستقبل تتراجع فيه هيمنة الذهب الأسود.
إصلاح اقتصاد الدول العربية بعد الصدمة النفطية الأخيرة تكشف هشاشة اقتصادات الطاقة
مع الإغلاقات الكبرى التي شهدها العالم أثناء الجائحة، هوت أسعار النفط، ما وضع اقتصادات الدول المصدّرة تحت ضغط غير مسبوق. ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، قدّم عام 2020 نموذجًا مبكرًا لما قد تواجهه المنطقة مستقبلًا، إذ انخفضت إيرادات دول الطاقة إلى النصف مقارنة بعام 2019، وتوقع الصندوق انكماشًا اقتصاديًا يقارب 7.3%.
بالرغم من مرور السنوات وتعافي بعض القطاعات، ما تزال وفرة المعروض العالمي من النفط تُبقي الأسعار تحت مستوى التوازن الذي تحتاجه موازنات الشرق الأوسط. ولذا تجد الحكومات نفسها أمام واقع جديد: لم تعد محركات النمو التقليدية قادرة على تمويل نمط الإنفاق القديم.
موازنات الدول العربية تحت الضغط: أرقام تكشف حجم الفجوة
تُظهر الجزائر نموذجًا صارخًا لتحديات المنطقة، إذ تحتاج أن يتجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل لإحداث توازن مالي، بينما تتراوح الأسعار العالمية عند مستويات أدنى بكثير. لذلك أعلنت الحكومة في أوقات الأزمة عن خفض موازنتها إلى النصف.
أما العراق، وهو أحد أكبر مصدري النفط، فقد اقترب مرارًا من أزمة مالية حادة. وفي دول مثل عُمان والكويت، ما يزال الإنفاق يفوق الإيرادات الفعلية. حتى السعودية، صاحبة أكبر اقتصاد عربي ومصدر رئيسي للطاقة عالميًا، اضطرت إلى السحب المكثف من احتياطياتها لتغطية عجز الموازنة، وهي الاحتياطيات التي كان يُفترض أن تموّل مشاريع التحول الاقتصادي بعيدًا عن النفط.
التأثير يمتد لما وراء المنتجين: مصر والأردن ولبنان في الواجهة
لا تقتصر تداعيات الأزمة على الدول المصدّرة فحسب، فمصر مثلًا تعتمد على تحويلات العاملين في الخليج، والتي تمثل نحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع تقلّص الوظائف وتراجع الإنفاق الخليجي، تواجه مصر ودول مثل الأردن ولبنان والأراضي الفلسطينية ضغوطًا إضافية.
كما أن دول الخليج تُعد سوقًا رئيسيًا لصادرات الأردن ولبنان، وتمثل السياحة الخليجية نسبة ضخمة من إنفاق الزوار في لبنان تحديدًا. أي تراجع في الإنفاق الخليجي ينعكس مباشرة على اقتصادات هذه الدول.
محاولات إصلاح اقتصاد الدول العربية : رؤى طموحة تقدم ببطء شديد
على الورق، هناك خطط تهدف إلى إصلاح اقتصاد الدول العربية بعدها طموح بالفعل، أبرزها برامج رؤية 2030، الهادفة لخفض الاعتماد على النفط وتنشيط القطاع الخاص وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل وتقليص الدعم وتطوير الصناعات غير النفطية.
إلا أن ما يحدث على الأرض أقل سرعة بكثير. صحيح أن بعض الحكومات بدأت بخفض البيروقراطية وتقليص الإعانات، وأن السعودية رفعت ضريبة القيمة المضافة ثلاث مرات، إلا أن القطاع العام لا يزال صاحب الدور الأكبر، ولا تزال اقتصادات الخليج تعتمد على النفط بشكل جوهري. اليوم تتحدث الحكومات عن موجة خصخصة جديدة بهدف تعويض ضعف الإيرادات، لكن التنفيذ لم يصل إلى مستوى الوعود بعد.
الأزمة فرصة… إذا أدركتها الحكومات
رغم أن الإصلاحات الاقتصادية مؤلمة بطبيعتها، إلا أن الأزمات الكبرى تمنح فرصة نادرة لإعادة ترتيب الأولويات. لم يعد بإمكان الحكومات العربية الاعتماد على التوظيف الحكومي الواسع، ولا على الخدمات المجانية التي تستهلك الموازنات. إن بناء اقتصاد قادر على المنافسة عالميًا يتطلب تغييرًا جذريًا في نموذج النمو القائم منذ عقود.
لقد قدّم تقرير الإيكونومست رسالة واضحة: الصدمة النفطية الأخيرة يجب أن تكون بداية مرحلة إصلاح اقتصادي حقيقي، لا مجرد تعديل مؤقت على الهامش، خاصة مع تصاعد التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، ومع الضغوط المستمرة على الأسعار.
تمت إعادة نشر مقال إصلاح اقتصاد الدول العربية بعد تحسين شامل للمحتوى وإضافة أحدث المعلومات والتحليلات الخاصة بعام 2025. يمكنك التداول عبر أفضل شركات الوساطة من خلال أفضل موقع للكاش باك فوركس في الشرق الأوسط، ولا تنسى أشهر 10 نصائح لمتداولي الفوركس.


